| ]

إن التخوف من أن يستحوذ فصيل ما أو شخص ما الحديث باسم الإسلام نيابة عن الله لا يمنع أن الإسلام مهيمن على حياة المؤمنين من الصباح وحتى المساء!

إن الإسلام ليس مجرد مشاعر روحية كما هو الحال في النصرانية التي عرفها الغرب على يد الإمبراطور الروماني قسطنطيين الوثني. وخليفة المسلمين ليس مثل بابا النصارى في الغرب، يمثلهم روحيا ولا يمثلهم دنيويا أيضا. فخليفة المسلمين هو الأمير في الحرب كما هو الإمام في الصلاة.
وفي ذات الوقت ليس عندنا في الإسلام رجال دين يتحدثون باسم الله ويملكون صكوم الغفران ومفاتيح الجنة والنار! فالخليفة بشر ليس له اي قدسية ولا يجوز له الاستبداد برعيته.
وقضية عدم وجود خليفة للمسلمين - أي تفتت كلمتهم وتفرقهم شيعا بعد أن كانوا موحدين - هي التي دفعت جماعات عدة للعمل على إعادة هذه الوحدة بين المسلمين مرة أخرى. وعلى رأس هذه الجماعات جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في 1928 على يد الإمام الشهيد حسن البنا رحمة الله عليه.
لقد كان كل ما يخيف بريطانيا ووزير حربيتها الجنرال فيلد مارشال هربرت كوتشينر قبيل الحرب العالمية الأولى 1914 أن يعلن المسلمون حربا دينية مقدسة ضد الإنجليز، فقد كانت بريطانيا تحكم أكثر من نصف مسلمي العالم السني، في الهند ومصر والسودان وشبه الجزيرة العربية. فعمد كوتشينر عبر رجاله - كلايتون ومكماهون وستورز - إلى الاتصال بأمير مكة (حسين) واعدين إياه بتنصيبه خليفة إذا وقف بجانبهم وحارب معهم ضد الخلافة العثمانية الضعيفة التي كانت في حلف مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا في ذلك الحين.
لقد فهمت بريطانيا أن القوميات المنضوية تحت مظلة الخلافة العثمانية تختلف عن القوميات التي عرفتها أوربا. فالقوميات في أوربا موضوعة في إطار علماني بحت منذ العصور الوسطى وتنحية الدين عن الدنيا بينما القوميات المنضوية تحت الخلافة العثمانية (العرب - الأتراك - الأكراد - الأرمن) وإن كانوا ذات نزعات انفصالة فإنهم لم يكونوا ليرضوا أبدا أن يظلهم حكم غير إسلامي، ولذلك عزفت بريطانيا عن ضم هذه البلدان إلى التاج البريطاني "المسيحي".
وبدلا من ذلك، وعقب انتصارها في الحرب، وبعد تقسيم الخلافة مع فرنسا، لجأت إلى تنصيب حكام موالين لها، وفي نفس الوقت رافضين لفكرة الخلافة الإسلامية،بل على العكس كل واحد فيهم طامع في تنصيب نفسه خليفة للمسلمين، وغير مستعدين بالطبع لإعلان الحرب المقدسة ضد بريطانيا العظمى.
وبعد مئة عام من الحرب العالمية الأولى، فإن ذات الأنظمة التي أسستها بريطانيا وفرنسا طبقا لاتفاقية سايكس - بيكو، ودعمتها أميركا عبر انقلابات عسكرية في الأربعيينات والخمسينات، لا تزال قابعة على صدور المسلمين، يمنعون وضع الصراع في إطاره الصحيح، حرب على الإسلام، وينكلون بكل من يحاول أن يضع الصراع في هذا الإطار ويعملون من هذا المنطلق، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين. وأي تيار إسلامي يقدم البعد الديني العقدي على البعد القومي القطري في الصراع.
وفي ذات القوت يتم تقريب كل مدعي الإسلام من المنافقين المتحدثين باسم الدين كمؤسسات وأشخاص لنزع البعد الديني عن الصراع وعدم تهييج مشاعر المسلمين، و كذلك كل التيارات التي تعتبر نفسها خطأ إسلامية ولا تعطي البعد الديني أي وزن.
لا يغرنكم أية مظاهر حضارية أو وعود كاذبة بالرفاهية من مفكرين منسوخين عن جلدهم متأثرين بعلمانية الغرب إن ابتعدنا عن دين الله عز جل وشرعه الذي شرعه لنا. فأية مظاهر حضارية بعيد عن الإسلام كغاية ومنطلق إنما تصب في النهاية لصالح الكتلتين الغربية أو الشرقية.
إن الخلافة وعودتها من عقيدة المؤمنين. وهي مذكورة في أحاديث صحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان بها واجب. ورفضها إنما هو رفض لصحيح الدين قطعي الثبوت قطعي الدلالة. ومن يحاربها إنما يحارب دين الله وشرعه الحنيف مهما قالوا عن هذا الرأي - لدى العلمانيين - من تطرف.