الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ
ومَنْ والاه، واهتَدَى بهداه.
وبعدُ؛ فإنَّ دراسةَ التاريخِ القديمِ والحديثِ تكشفُ أنَّ من سننِ الله الجاريةِ
في المجتمعاتِ أنَّ أصدقاءَ ورُفَقاءَ وأعوانَ الظلمةِ الذين لا تَقْوَى ولا
أمانةَ لهم, والذين تجمعُهم المصالحُ والنفاقُ يُسلِّطُ اللهُ بعضَهم على بعض، حتى
قيل: «مَنْ أَعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ»، وهذه حكمةٌ
صحيحةٌ، ومصداقُها في القرآن قوله تعالى ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِي بَعْضَ الظَّالِمِينَ
بَعْضا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام 129) فقد قيل معناه: نُسَلِّط بَعْضُهم
على بَعْضٍ، فَيَأخذُ من الظَّالمِ بالظَّالمِ، وقال فُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ: «إذَا رأيتَ
ظالِمًا ينتقِمُ من ظالمٍ فقِفْ، وانظُرْ فيه مُتَعَجِّبا!».
وعن مالك بن دينار قال: قرأتُ في الزَّبُور: «إنِّي أنتقِمُ منَ المنافِقِ بالمنافِقِ،
ثم أنتقِمُ من المنافِقين جميعًا» قال: ونظير ذلك في كتاب الله تعالى ﴿وكَذَلِكَ
نُوَلِّي﴾ الآية.
وَمَا مِنْ يَدٍ إِلَّا يَدُ اللهِ فَوْقَهَا ولَا ظَالِمٍ إِلَّا سَيُبْلَى بِأَظْلَمِ
وقال المأمونُ الخليفةُ العباسِيُّ لبعضِ وُلَاته: «لَا تَظْلِمْ لِي فَيُسَلِّطَنِي
اللهُ عَلَيْكَ».
التَّحذِيرُ من التقرُّبِ منَ الظَّلَمة:
لهذا حرصت الشريعةُ على التحذيرِ من القُرْبِ من أهلِ السلطةِ، فقد أخرج أحمد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«... وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ
السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بُعْدًا»،
وإذا كان هذا في أهلِ السُّلْطةِ بشكلٍ عامٍ فهو في الظَّلَمةِ منهم أحْرَى وأوْلَى.
ولَقي أبو جعفر المنصورُ سُفْيانَ الثَّوريَّ في الطوافِ، فقال: ما يَمْنعُك
أنْ تَأتَينا؟ قال: إنَّ اللهَ نَهَى عَنْكم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى
الّذِين ظَلَمُوا فَتَمًسّكم النَّار﴾، فمسحَ أبو جعفر يدَه به، ثم التفتَ إلى
أصحابِه، فقال: ألْقَينا الحَبَّ إلى العُلماء فَلَقطوا، إلا ما كان من سُفيان فإنه
أعْيانا فِرارًا.
وقدِمَ هِشامُ بنُ عبدِ الملكِ المدينةَ لزيارةِ القَبرِ، فدخلَ عليه أبو حازمٍ
الأعرجُ، فقال: ما يمنعُك أبا حازمٍ أنْ تأتِيَنا؟ فقال: «وما أصنعُ بإِتْيانِك يا
أميرَ المؤمنين؟ إنْ أدْنَيْتَني فَتَنْتَني، وإن أقْصَيْتَنِي أخزَيْتَني، وليس عِنْدي
ما أخافُك عليه، ولا عندَكَ ما أرجوكَ له».
لكنْ، منْ أتاهُم يَعِظُهم وينهاهُم عن الظلمِ فذلك من أعظمِ الجهادِ، كما
هو معلوم.
التحذيرُ من التماسِ رِضَى الظلَمَةِ بسَخَطِ الله :
من أعظمِ أبوابِ الفتنةِ بأهلِ السلطة: أنْ يلتمِسَ المفْتُونُ رِضاهم بأيِّ
شكلٍ، فيبيعَ دينَه، ويُسْخِطَ ربَّه، في مقابلِ ما يُعْطُونَه منَ الدنيا، ومثل
هذا يعامله الله بنقيض قصده، فيسخط عليه من يريد إرضاءه بسخط الله، وقد أَخْرَجَ ابْنُ
حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ
اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ».
وَفي رواية الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ: «... وَمَنْ أَرْضَى
اللَّهَ فِي سَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ مَنْ أَسْخَطَهُ
فِي رِضَاهُ، حَتَّى يُزَيِّنَهُ وَيُزَيِّنَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ فِي عَيْنِهِ».
وَأخرج الْبَزَّارُ عن عائشةَ قالتْ: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ مَحَامِدَ النَّاسِ بِمَعَاصِي اللَّهِ عَادَ حَامِدُهُ
لَهُ ذَامًّا».
وَأخرج الطَّبَرَانِيُّ عن عِصْمَةَ بنِ مالكٍ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ تَحَبَّبَ إلَى النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ وَبَارَزَ
اللَّهَ تَعَالَى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
وَإن كان من يريد إرضاءه من أهل السلطة فيخشى عليه من انتقاض دينه، ويبرأ
الله منه، فقد أخرج الْحَاكِمُ عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرْضَى سُلْطَانًا بِمَا يُسْخِطُ رَبَّهُ عز وجل خَرَجَ مِنْ
دِينِ اللَّهِ تبارك وتعالى».
وأخرج البَيْهَقِيُّ في (شُعَب الإيمَان) عن الحسَنِ قال: «منْ دَعَا لِظَالِمٍ
بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْضِه».
التوجيهُ النبويُّ بعدمِ تصديقِ الحُكَّامِ الكَذَبَة:
يكون الأمرُ أعظمَ جُرْمًا إذا كان أصحابُ السلطةِ الذين يُجامِلُهم
بالباطلِ من الكَذَبَة الفَجَرة، فقد تبرَّأَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ممَّنْ يدخُلُ على هذا النوعِ من الحكام، فأخرج أحمدُ وابنُ حبان عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ
عُجْرَةَ: «أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ» قَالَ: وَمَا إِمَارَةُ
السُّفَهَاءِ؟ قَالَ: «أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي، لاَ يَقْتَدُونَ بِهَدْيِي،
وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى
ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلاَ يَرِدُوا عَلَيَّ
حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ
فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ، وَسَيَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي». (حسن)
وأخرج أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لاَ يَفْعَلُونَ،
...» فذكره.
وأخرج أحمد عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ...» فذكر
نحوه.
وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيدٍ الخُدْرِي أنَّ نبيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قال: «إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءَ يَغْشَاهُمْ غَوَاشٍ مِنَ
النَّاسِ ...» فذكر نحوه.
وأخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ
بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ».
وأخرج ابنُ أبي شَيْبة والطبرانيُّ عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ
نَابَذَهُمْ نَجَا، وَمَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ، وَمَنْ خَالَطَهُمْ هَلَكَ».
التَّحذِيرُ منْ إِعَانَةِ الظَّالِمِ:
وإذا كان
النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قد حذَّر من الدُّخولِ عليهم وتصديقِهم في كذِبِهم، فإنَّ تحذيرَه كان أشدَّ من
إعانةِ الظلَمَة، فقد أخرج ابنُ المباركِ في (الزُّهْد) عن الزُّهْريِّ قال: بلَغَنا
أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قالَ: «لَا تَمْكُرْ وَلَا تُعِنْ
مَاكِرًا؛ فإِنَّ اللهَ يقُولُ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا
بِأَهْلِهِ﴾، ولَا تَبْغِ ولَا تُعِنْ بَاغِيًا؛ فإِنَّ اللهَ تَعَالى يَقُولُ
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (يونس 23)، ولَا تَنْكُثْ ولَا
تُعِنْ نَاكِثًا؛ فإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (الفتح 10)».
وهل
الانقلابيُّون على اختلافِ مواقعِهم وأدوارِهم إلَّا ماكرٌ أو مُعِينٌ على المكْر،
وبَاغٍ أو مُعِينٌ على البغيِ، وناكِثٌ عَلى النكثِ؟.
وأخرج أبو داود وابنُ ماجه والحاكمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُول اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ
بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ؛ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ».
وَأخرج أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَثَل الَّذِي يُعِينُ
قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ كَمَثَل بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَنْزِعُ
مِنْهَا بِذَنَبِهِ».
وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْإِثْمِ وَهَلَكَ، كَالْبَعِيرِ إذَا تَرَدَّى
فِي بِئْرٍ مُهْلِكَةٍ، فَصَارَ يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ لَا يَعْلَمُ أَحَقٌّ
أَوْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ».
فإذا كانت إعانتُه الظالمَ لِيُدْحِضَ بباطلِه حقًّا فالمصيبةُ أعظمُ، وقد
تبرَّأ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن يفعلُ ذلك، فقد أخرج الطبرانيُّ
والحاكمُ وغيرهما عن ابن عباس عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:
«مَنْ أَعَانَ ظَالِماً لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقّاً فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ
الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ».
فإذا أدَّتْ هذه الإعانةُ ولو كانت شَطْرَ كلمةٍ إلى قتلِ مسلمٍ بغيرٍ حقٍّ
فقد أوردَ صاحبُها نفسَه مورِدَ اليأْسِ من رحمةِ الله، فقد أخرج ابن ماجه عن أبي
هريرةَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ أَعَانَ عَلَى
قَتْل مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَل مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ:
آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».
أعوان الظلمة ظلمة مثلهم:
إنَّ من الظلمِ الرضا بالظُّلْمِ والإعانةَ عليه، وأعوانُ الظالمِ ظَلَمَةٌ
مثلُه، وإنَّ أحدَ أسبابِ تمادِي الظلَمَةِ في ظلمِهم هو بِطانةُ السوءِ وإعانةُ بعضِ
الرعيةِ الظالمَ على ظُلمِه، قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف 54)
ومن أدلةِ تحريمِ إعانةِ الظالمِ: عتابُ اللهِ لبني إسرائيلَ في قوله تعالى
﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (البقرة 85) فهذا يدُلُّ
على أنَّ الظُّلمَ كما هو مُحَرَّمٌ، فإعانةُ الظالمِ على ظُلمِه مُحَرَّمة.
ونهي اللهُ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المجادلةِ عنِ
الخائنين ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء 107) ففي الآيَة تهديدٌ شَدِيدٌ
على إعانَة الظَّالِم؛ لأنَّ اللهَ تعالى عاتب النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
على همِّه بإعَانَة طُعْمَةَ بنِ أُبَيْرِق، مع أنَّه لم يَكُن عَالِمًا بظُلْمِهِ،
فكيف حَالُ مَنْ يَعْلمُ ظُلْمَ الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه؟.
والواقعُ أنَّ الحاكمَ الظالمَ إنما يتمكَّنُ من ظلمِه بمعاونةِ أعوانِه وأتباعِه,
وليس بنفسِه فقط.
الرُّكُونُ للظَّالِمينَ مُحَرَّمٌ بكافَّةِ صُورِه وأشكالِه:
قالَ تعالى ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ
وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾:
الرُّكُونُ إلَى الشَّيْءِ: السُّكُونُ، وَالْمَيْلُ إلَيْهِ بِالْمَحَبَّةِ،
وَلِينِ الْكَلَامِ وَالْمَوَدَّةِ، ومعنى الآية: لَا تُدَاهِنُوهُمْ، ولَا تُطِيعُوهُمْ
وَلا تَوَدُّوهُمْ، ولَا تَرْضُوا بِأَعْمَالِهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾
أَيْ أَشْبَاهَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ.
وهؤلاءِ الظلمةُ وإن كان ظلمُهم لا يرقَى بهم إلى درجةِ الكفرِ والخروجِ من
الإسلامِ، إلا أنَّ السُّنَّةَ قد مضتْ فيهم أن يُهْجَروا، ويُهْجَرَ العملُ عندهم؛
تبْكِيتًا لهم، وحتَّى لا يتقَوَّوْا بالصالحينَ على ظُلمِهم، وباطلهم، ومنكرهم!.
قال الحسَنُ: «خَصْلتانِ من العبدِ إذا صلحَتَا صلحَ ما سواهما: الركونُ إلى
الظلمةِ، والطغيانُ في النعمة، قال الله عزَّ وجل: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
وحذَّر اللهُ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الركونِ إلى
الظالمين، قال تعالى ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئًا قَلِيلاً. إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ
لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ (سورة الإسراء 74 – 75).
وإذا كان هذا الخطابُ لأشرفِ مخلوقٍ صلاةُ الله وسلامُه عليه، فكيف بغيره؟.
وعن عطاءٍ أنّ رجلًا قال له: إنَّ أخِي يضربُ بقلمِه ولا يَعْدُو رزقَه، وإنما
يَحْسِبُ ما يدخلُ ويخرجُ، وله عيالٌ، ولو ترك ذلك لاحتاج وادَّان؟ (أي اضطر إلى الاستدانة)
قال: فمَنْ الرأسُ؟ يعني مَنْ يَكتُبُ له ؟ قال: خالدُ بن عبد الله القَسْري. قال:
فأينَ قَوْلُ موسى ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا
لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (القصص 17)؟ أي أنَّ موسى تعهَّد ألَّا يُعينَ مُجْرِمًا ولا
ظالما.
قال عمرُ بنُ الخطّاب رضي الله عنه: «مَنْ دخَلَ على المُلوكِ خَرجَ وهو ساخِطٌ
على اللّه».
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «إنّ الرَّجُلَ لَيَدْخُلُ
عَلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ دِينُهُ، وَيَخْرُجُ وَلَا دِينَ لَهُ» . قِيلَ لَهُ لِمَ
؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ بِسَخَطِ اللَّهِ
تَعَالَى».
وَقَالَ الْفُضَيْلُ: «مَا ازْدَادَ رَجُلٌ مِنْ ذَوِي سُلْطَانٍ قُرْبًا إلَّا
ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا».
وَقَالَ سفيانُ الثوريُّ: «إذَا رَأَيْتُمْ عَالِمًا يَخْتَلِفُ إلَى الْأُمَرَاءِ
فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِصٌّ».
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «لَا تَمْلَأُوا أَعْيُنَكُمْ مِنْ أَعْوَانِ
الظَّلَمَةِ إلَّا بِإِنْكَارٍ مِنْ قُلُوبِكُمْ؛ لِئَلَّا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ
الصَّالِحَةُ».
وَقَالَ مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ؟ فَمَا يَبْقَى أَحَدٌ حَبَّرَ لَهُمْ دَوَاةً
أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَّا حَضَرَ مَعَهُمْ، فَيُجْمَعُونَ
فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ فَيُلْقَوْنَ فِي جَهَنَّمَ».
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «الْجَلَاوِزَةُ (أَيْ
أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ) وَالشُّرَطُ كِلَابُ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال ابنُ الجَوْزي في إحدَى خواطرِه: «طرقَتْني حالةٌ أوْجَبَتْ التشبُّثَ ببعضِ
الأسبابِ، إلَّا أنه كان من ضرورةِ ذلك لقاءُ بعضِ الظلَمةِ، ومُداراتُه بكلمة، فبينما
أنا أُفَكِّرُ في تلكَ الحالِ دخلَ علي قارئٍ فاستفتَح، فتفاءَلْتُ بما يقرأُ، فقرأ:
﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُم النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون﴾، فبُهِتُّ منْ إجابتي على
خاطرِي، وقلتُ لنفسِي: اسمعِي؛ فإنَّني طلبتُ النصرَ في هذه المداراةِ، فأعلَمَنِي
القرآنُ أنني إذا ركنْتُ إلى ظالمٍ فاتني ما ركنْتُ لأجلِه من النصر».
وَجَاءَ خَيَّاطٌ إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ:
إنِّي أَخِيطُ ثِيَابَ السُّلْطَانِ أَفَتَرَانِي مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ فَقَالَ
لَهُ سُفْيَانُ: «بَلْ أَنْتَ مِنْ الظَّلَمَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ
مَنْ يَبِيعُ مِنْك الْإِبْرَةَ وَالْخُيُوطَ».
وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: «بلغَنِي أنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْحَى
إِلَى مُوسَى: مُرْ ظَلَمَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقِلُّوا مِنْ ذِكْرِي؛ فَإِنِّي
أَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَنِي مِنْهُمْ بِاللَّعَنَةِ حَتَّى يَسْكُتَ».
التحذيرُ من التقاعُسِ عن نُصْرةِ المظلوم:
لم يكتفِ الإسلامُ بالتحذيرِ من الركونِ إلى الظلَمةِ، وتحريمِ إعانتِهم،
بل أوجبَ نُصرةَ المظلومِ وحذَّر من يتقاعَسُ عن ذلك مع قدرتِه عليه، بأيِّ شكلٍ
من أشكالِ النُّصْرَة، فقد أخرج الطحاوي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عن النبيِّ صَلَّى الله
عَلَيه وسَلَّم أَنَّهُ قال: «أُمِرَ بِعَبْدٍ من عِبَادِ اللهِ أَنْ يُضْرَبَ في
قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فلم يَزَلْ يَسْأَلُ وَيَدْعُو، حتى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً،
فَجُلِدَ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عليه نَارًا، فلما ارْتَفَعَ عنه قال:
عَلاَمَ جَلَدْتُمُونِي؟ قالوا: إنَّك صَلَّيْت صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَمَرَرْتَ
على مَظْلُومٍ فلم تَنْصُرْه».
وأخرج الطبرانيُّ والبيهقيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: «لاَ تَقِفَنَّ عِنْدَ رَجُلٍ يَقْتُلُ مَظْلُومًا؛
فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، وَلاَ
تَقِفَنَّ عِنْدَ رَجُلٍ يَضْرِبُ مَظْلُومًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى
مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ».
قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْت فِي الْمَنَامِ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ يَخْدُمُ الظَّلَمَةَ
وَالْمَكَّاسِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي حَالَةٍ قَبِيحَةٍ فَقُلْت لَهُ: مَا
حَالُك؟ فَقَالَ: شَرُّ حَالٍ، فَقُلْت لَهُ: إلَى أَيْنَ صِرْت؟ فَقَالَ: إلَى عَذَابِ
اللَّهِ، قُلْت: فَمَا حَالُ الظَّلَمَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: شَرُّ حَالٍ، أَمَا
سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
مِنْ قصصِ الذينَ انقلبَ عليهم الظلَمَةُ بعد أنْ أعانُوهم في ظلمِهم:
التاريخُ عامِرٌ بأخبارِ قومٍ آذَوْا وظَلَمُوا، فمنهم مَنْ عُوجِل، ومنهم مَنْ
أُمْهِل، غير أنَّ عاقبةَ ظُلمِه أصابتْ أولادَه وأحفادَه وأهلَ بيتِه، ودراسةُ تاريخ
الظلمةِ تكشِفُ أنهم يُصَفِّي بعضُهم بعضًا, حدث هذا بين رجالِ الثورةِ الفرنسية, والثورة
الجزائرية, والثورة السورية, والمصرية, والعراقية, وغيرها، ومما يُقالُ في ذلك: إنَّ
الثورةَ تأكُلُ أبناءَها.
وقد كان الحجاجُ بنُ يوسفَ الثَّقَفيُّ من الظالمين، ولم يُعَاجَلْ، بل لما
استُخْلِف سليمانُ بنُ عبد الملك، أمرَ بجميعِ الرجالِ من آلِ أبي عَقِيل، عائلةِ الحجَّاج،
فاعتُقِلُوا بواسطٍ، وعُذِّبُوا، حتى ماتوا جميعًا.
ومن الأمثلةِ التاريخية في ذلك:
- حين أقام عُبَيْدُ اللهِ المهديُّ الدولةَ العُبَيْدِيَّةُ الشيعيَّةُ
تخلَّص من كلِّ أتباعِه الذين أعانوه على حربِ أهلِ السُّنَّة، بل تخلَّص من أحدِ
أكبرِ مَنْ وَطَّدُوا مُلْكَه، وهو أبو عبد الله الشيعيُّ وأخوه أبو العباس وأنصارُهم،
بعد أن اقتربُوا منه وبدأوا يكتشِفُون كذبَه في أنه المهدي المنتَظَر.
- كان مؤيد الدين محمد بن محمد المعروف بابن العلقمي الشيعي وزير الخليفة
العباسي المستعصم بالله آخر خلفاء الدولة العباسية، فخدعه ابن العلقمي، واتصل من
وراء ظهره بهولاكو زعيم التتار، وأعانهم على دخول بغداد، وتعاهد معهم أن يوقع
بالخليفة وبأعيان الأمة، على أن يتخلصوا من أهل السنة، ويبقوا على الشيعة، ويجعلوه
وزيرا في دولتهم، فلما تم لهم مرادهم قتلوا مئات الآلاف من السنة والشيعة، وأخلفوه
ما وعدوه، وأذاقوه الهوان، فمات كمدا وحسرة بعد شهور يسيرة.
- أحدُ الذين أعانوا التتار ومالأُوهم ودلُّوهم على عوراتِ المسلمين اسمُه سليمانُ
بنُ المؤيد المعروفُ بابن الزَّيْن الحافظى، وصار إلى التتار وأمَّروه، حتى كانوا
يدْعُونه الملك زين الدين، فكان عندَهم حتى سلَّطهم اللهُ عليه، وجاء به هولاكو، وقال
له: «ثبتت خيانتُك عندي، خدمتَ صاحبَ بعلبكَ طبيبًا فخُنْتَه، واتفقتَ مع غِلمانِه
على قتلِه، ثم خدمتَ الملكَ الحافظَ فباطَنْتَ عليه الملكَ الناصرَ صاحبَ الشامِ حتى
أخرجْتَه من قلعةِ جَعْبَر، ثم خدمتَ الملكَ الناصرَ فخُنْتَه معي، حتى أخرجته من دياره،
ثم خدمْتَنا فشرعتَ تُباطِنُ صاحبَ مصرَ علينا»، ثم عدَّد عليه شيئًا كثيرًا من
ألوان فساده المادي من الرشاوى وغيرها، ثم قَتَله، وقَتَل معه جميعَ أولادِه وأهلِ
بيتِه وأقاربِه.
- أبو مسلم الخُراساني قائدُ الجيوشِ التي أقامتْ دولةَ العباسيين، وأنهت
الدولةَ الأُمَوية، وارتكبَ في سبيلِ ذلك مظالمَ كثيرةً، وقتل الآلاف، وكانت نهايتُه
أنْ سلَّط اللهُ عليه أبا جعفر المنصورَ، فاحتال له وقتَلَه، حين وقع في نفسِه أنه
يطمعُ في الملك.
- كان طاهرُ بنُ الحسين أحدَ أهمِّ القادةِ الذين نصروا المأمونَ ابنَ
الرشيدِ على أخيه الأمينِ، وهو الذي قام بقتلِ الأمينِ، ومع أنه فعل ذلك إخلاصًا
للمأمونِ، فإنَّ الأخيرَ لم ينْسَ له أنَّ ذُلَّ أخيه وقتْلَه كان على يدِه، ولم
يزلْ يُدَبِّر له حتى دسَّ له خادمًا سقاه السُّمَّ بعد أن ولَّاه خراسان.
- صادق قطب زادة الذي تولى مناصبَ متعددةً للخُمَيني، أعدمَه الخميني، ولم يَرْعَ
فيه السنواتِ العشرينَ التي أفناها في خدمتِه.








